غير مصنف

دراسة البناء والعمران في منطقة وادي سوف

من المعروف تاريخيا أن الشمال الإفريقي تعرض للغزو الروماني منذ القرن 2 ق.م. الذي أخذ بالتوسع على حساب مملكة نوميديا للسيطرة على الأراضي الزراعية. ما جعل السكان الأصليين ومنهم بربر زناته يلجئون إلى حواف الصحراء جنوب الأوراس والاستقرار في منطقةالشطوط الواقعة ما بين تونس و الجزائر على حواف الأودية ومنها وادي الجردانية الذي ينبع من جبل مجور في الأوراس النمامشة وينحدر جنوبا متوغلا في العرق الشرقي الكبير.

و في العهد الإسلامي دخلت بلاد المغرب الإسلامي في مرحلة صراعات سياسية ومذهبية خاصة مع انتشار فكر الخوارج في أقاليم طرابلس وبلاد الجريد بإفريقية وبلاد وارجلان ، وصارت كل هذه الرقعة معقلا للثورات على الدولة العبيدية الشيعية وأشهر من تزعمهم أبا يزيد مخلد بن كيداد اليفرني الزناتي منذ325هـ/ 937م الذي تذكر المصادر التاريخية أنه كلما ضعفت عزيمته يلجأ إلى الصحراء قبلة بلاد الجريد .
وبعد انتقال الدولة العبيدية إلى مصر قطع المعز بن باديس الزيري دعوته للفاطميين وأعلن ولائه للعباسيين فأقدم المستنصر الفاطمي إلى معاقبة دولة صنهاجة بتحريض القبائل العربية من هلال وسليم المتمركزة في صعيد مصر على الهجرة نحو إفريقية والمغرب و بـدأت بالتوافد على المنطقة منذ 442 هـ / 1050م ، ويقول بن خلدون “بعد أن خربوا القيروان سنة 449 هـ/1057م حاربوا زناته وغلبوهم على الضواحي” ويوضح صاحب الصروف أن المقصود أطراف افريقية والـزاب بلاد سوف، وبسبب هذه الظروف أنحاز كثير من بربر زناته إلى منطقة سوف لبعدها عن القلاقل وتسلط الحكام ، حيث يذكر ابن أبي دينار أن من هؤلاء قبائل بنو مرين ( كان بنو مرين يسكنون بلاد القبلة من زاب افريقية ويتنقلون من مكان إلى مكان وجل أموالهم الإبل والخيل وطعامهم اللحم والتمر) ،ومن القبائل العربية قبيلة عدوان التي وصلت وادي الجردانية فوجدوا بربر زناته فنزلوا منازلهم في حوالي 600 هـ/1204م  . وأما زناته فتركوا مواطنهم متتبعين مجرى الوادي وأقاموا منازل من الطين والحجارة عند قبر ملكة بربرية من قبيلة مرداس تعرف بـتكسبت (تك بنت سبت)  ، في حين استقرت عدوان بالجردانية حتى قدمت عليهم طرود من باجة سنة 799هـ/ 1397م . ويؤكد أحمد نجاح في {Le Souf des Oasis }
( بأن آخر من أعاد بناء المنطقة للاستقرار فيها هم قبائل بني هلال وبني سليم الذين قدموا من المشرق ما بين القرنين 4 و6هـ / 11و13م ).
إلا أن حركة العمران المادي تأخرت بمنطقة سوف عن ما سواها من حواضر بلاد الجريد أو بلاد ريغ ويعزى ذلك إلى أن سكان نوميديا القديمة من البربر كانوا رحل يجوبون البادية وراء قطعانهم بحثا عن الكلأ ، كما هي عادات العرب الذين وفدوا من صعيد مصر بعد القرن الـ4 هـ. وأن الوافدين الأوائل ركزوا على أولوية المأوى على المطعم ( الغذاء) هروبا من الصراعات السياسية التي كانت تعصف بالمغرب الأدنى (إفـريقية) وهو ما يشير إليه العدواني في قـوله:(عليكم بسوف فهي أم الهاربة).
ويقول البكري في القرن الخامس الهجري: (لا يعرف وراء قسطيلية عمران ولا حيوانا إلا الفنك…إنما هي رمال و أرضون سـواخة، وهم يخبرون أن أقـواما أرادوا معرفة ما وراء بلادهم فاستعدوا الأزواد وذهبوا في تلك الرمال أياما فلم يروا أثرا لعمران وهلك أكثرهم في تلك الرمـال). كما يذكر العياشي في رحلته ” أن أهل هذه البلاد( سوف) يسكنون في زرايب من جريد النخل “وفي ذلك إشارة إلى عدم انتشار البناء بالحجارة حتى ذلك العهد وبعد ذلك صارت تمثل موقعا متميزا وسط طرق القوافل.
لهذه الأسباب المذكورة آنفا لم تظهر حياة الحضر مبكرا بمنطقة سوف، فكانت عبارة عن تجمعات سكنية عديدة و متفرقة حتى سميت بلاد الألف قرية  ووصفها الرحالة العياشي :“…سوف هي خط من النخيل مستعرض في وسط الرمل قد غلب على أكثره، وفيه بلاد عديدة… “
إذا أستثنينا التجمعات السكنية الأولى لبقايا بربر زناته ومن حل محلهم من عرب عدوان ثم طرود عند المجرى الأعلى لوادي الجردانية وبعد ذلك قرية تكسبت القديمة في الحواضر في سوف ظهرت عند ما تبقى من مياه الوادي الظاهرة على السطح وفق ما ذكره العدواني ” ودخلت القبيلتان (عدوان وطرود ) في حروب طاحنة وكانت الغلبة لطرود حتى وصلوا وادي ريغ حيث وجدوا الولية الصالحة زينب بنت تندلة ، فأصلحت بينهم وعادوا إلى قصورهم وتقاسموها وظلوا بها نحو عشرون عاما  وحين حضرت الوفاة شيخهم طرد بن دابس أوصى أولاده إذا خرجوا من النازية بأن يأخذ كل أهله في قصر لوحده حتى لا تقع الفتنة بينهم  فنزلوا أسفل مجرى الجردانية واستقر كل منهم بغديرة .
وعلى هذا الأساس نشأت قرى سوف الأولى :
–      الغديرة الأولـى : نشأت بلدات الزقم و قمـار وتـــاغزوت .
–      الغديرة الوسطى : نشأت كـوينين .
–      الغديرة السفلـى : ظهرت فيها تكسبت النواة الأولى لمدينة الوادي.
لم تعرف قرى سوف بمسميات المدن الصحراوية الأخرى كالقصور أو القصبات لأنها اختلفت عنها من حيث طراز عمارتها أو من حيث دورها التاريخي والسياسي بخلاف تـــوقرت أو وارجلان أو تمنطيط وقد عرفت تلك التجمعات بمسميات محلية مختلفة أكثرها شيوعا الخبنة ،النزلة ، البليدة هذا الأخير الذي عرفت به اليوم الكثير من البقايا العمرانية التي اندثرت والتي يبدو أنها الحاضرة الأولى التي عمرت في سوف ! .
فكانت التسمية الشائعة البليدة فهناك بليدة اللجة (الزقم) وبليدة قمار وبليدة سيف المندي(شط ملغيغ) ، فقمــار واحدة من البليدات أو البلدات التي ستتحول إلى حاضرة رئيسية في المنطقة حتى دخول المستعمر الفرنسي للمنطقة وبذلك تعد نموذجا مثالية لدراسة تطور الحواضر في منطقة سوف .
أ‌-    نموذج حاضرة قمار :
رغم أن مدينة قمـار لم تكن يوما عاصمة سياسية إلا أنها كانت أكثر قرى سـوف عرضة للأخطار لعـدة أسبـاب أبرزها:
– الأهمية الاقتصادية للمدينة التي تـزايدت مع إنتشار زراعة النخيل وحفر الغيطـان فيها فتحولت المدينة إلى سوق رئيسية بالمنطقة.
– الأهمية الدينية التي برزت بتأسيس الـزاوية التيـجانية بها منذ 1204هـ/ 1789م فصارت مركزا روحيا يؤمه كل أتباع الطريقة من سكان المنطقة أو من خارجها وزاد بذلك دورها الاجتماعي.
 – الموقع الاستراتيجي للمدينة في الجهة الشمالية الغربية لسوف ، عند أهم طريقين حيويين:
1- أحدهما يأتي من جهة الغرب من إمارة بني جلاب بإقليم وادي ريغ ، فكثيرا ما أعتبر سلاطين تقـرت أن سوف جزءا تابعا لملكهم ، فحين تمتنع بعض القرى عن دفع الضرائب تتعرض لحملات عسكرية تأديبية أشهرها حملة الشيخ أحمد بن عمر بن محمد الجـلابي 1776/ 1778م
2- وثانيهما يأتي من جهة الشمال من مملكة بن قـانة بالزيبـان التي كانت تحاول إخضاع منطقتي سوف وريغ لبـايلك الشرق .وكثيرا ما كانت بلاد سوف عرضة لهجمات مباغتة أحيانا من كلا الطرفين بن جلاب أو بن قـانة وكانت قمار دائما الأولى في مواجهة هذه الأخطار.
نظرا لكل ما سبق فإن تطور تخطيط مدينة قمار يبدو ظاهريا بأنه منتظم في شكل مستطيل باتجاه طولي من الشرق إلى الغرب وذلك في سياق تعمير الفراغ الذي يفصل البلدة الأولى عن تجمعات أولاد أحميد المقامة حول بيت الشريعة في الجهة الغربية على بعد نحو500 متر, فقد مثلت هذه المسافة مجالا للتوسع العمراني للمدينة ،خاصة و أن الجهة الجنوبية والشرقية للبلدة تبدو شبه مغلقة بممتلكات دينية و اقتصادية وغير قابلة للتوسع . ورغم أن المدينة لم تكن لها أسوار دفاعية فإن تخطيطها العمراني تجاوب إلى حد كبير مع طبيعة موقعها الحساس لتظهر من خلاله نوعا من الإستراتجية الدفاعية لدى السكان ، حيث جاء انجاز المدينة في الأول وفق مخطط مغلق ليس له إلا منفذ واحد ، و بعد مدة من تأسيسها صارت شبه محصنة في جهتيها الشمالية والغربية بأزقة عرش أولاد أحميد الأقوياء بينما ظلت البلدة القديمة تمثل محور المدينة ومركزها الحيوي الذي يصعب الوصول إليه ، بالإضافة إلى ذلك فقد كان شبه اتفاق على إنجاز المنازل بشكل متلاصق و تفتح أبوابها على الأزقة الداخلية المتفرعة عن الشارعين الرئيسيين للمدينة المؤديين إلى مركزها بينما يكون ظاهر أسوار المنازل بمثابة الساتر الدفاعي، وإذا قدر أن أخترقه عدو أو دخيل غاصب فإنه سيواجه بمقاومة شرسة من قبل العائلات التي توطدت علاقاتها الاجتماعية وتصاهرت فيما بينها.
ومن جهة أخرى فقد جاء موقع بـلدة قمار فوق ربوة صخرية مرتفعه نسبيا عما حولها ما يجعلها شبه محصنة طبيعيا هذا وقد ظلت الجهة الشرقية منها التي تفتح على الفج تمثل نقطة ضعفها الوحيدة وظل توسع عمرانها فيها محدودا ، وقد حاول أحد ملوك بني جلاب ذات مرة بعد محاصرته للبلدة اقتحامها من هذه الجهة وذلك بحفر نفق أرضي يؤدي إلى شرق البلدة عند مسجد إبراهيم بن سعد ،إلا أن المدافعين عن البلدة تفطنوا لذلك وأحبطوا الهجوم .وتذكر المصادر أنه كان قد أقيـم سورا عـاليا نسبيا ارتفاعه حوالي 4م، كان يمتد تقريبا من الباب القبلي عند ركن جامع الطلبة حاليا حتى جامع سيدي إبراهيم بن سعد .
معالم المـدينة و أقسـامها:
1-   الأحيــاء: كان تأسيس المدينة في أول الأمر من طرف عدد محدود من السكان تضاربت المصادر حول عددهم رغم أنه يرجح أنهم قدروا ما بين ثلاثين و أربعين نفرا ونظرا للظروف السياسية السائدة آنذاك فإنهم قد تعاهدوا على عدم السماح بدخول أجانب بينهم ،ويمكن ملاحظة ذلك في طريقة بناء البلدة التي جعلت شبه مغلقة، وقد سبق وأن ذكرنا أن عرش أولاد أحميد الذين وفدوا حسب القرائن التاريخية في نهاية القرن الثاني عشر الهجري الثامن عشر الميلادي قد أجبروا على إقامة منازلهم بعيدا في الجهة الغربية الشمالية من البلدة مما جعل تركيبة أعراش المدينة لا تعرف تغييرا كبيرا ، و نظرا للتداخل الاجتماعي وعلاقات المصاهرة ما بين العائلات فقد كان توسع المدينة غير خاضع لقيود قبلية أو مذهبية إنما أرتبط إلى حد كبير بتوفر المجال الجغرافي القابل للتوسعة. لذلك فإن التقسيم يكون تبعا لمحور تطور الشارعين الرئيسيين وحسب توزيع مداخلها على النحو التالي :
– حي السوق : يعتبر هذا الحي قلب المدينة النابض وأصل منشئها الأول ، و يشمل منازل البلدة القديمة والأزقة الشمالية عند رحبة قهوة بوكحة ،والأزقة الغربية حتى جامع الفشير ،يحده من الجنوب منازل اليهود والمقبرة ويحده من الشرق زقاق البراطيل المؤدي للفج والزاوية التيجانية.
– حي الباب الشرقي : يحده غربا حي السوق ومجموعة منازل اليهود وهذه الأخيرة تشكل إمتدادا له ، ويفتح من الجهتين الشرقية والجنوبية على مزارع النخيل وهو ما يعرف بالفج. يمثل حي الباب الشرقي مركز المدينة الاجتماعي والديني حيث توجد فيه أهم معلم ديني الزاوية التيجانية التي تحتل حيزا هاما منه، كما تقطنه عائلات ذات نفوذ.
تتواجد في الجهة الغربية من حي الباب الشرقي مجموعة منازل كانت ملكا لليهود ، ومن المعروف أن التواجد اليهودي بالمدينة يكاد يرتبط بفترة دخول الاحتلال الفرنسي للمنطقة ، فحتى منتصف القرن 13هـ/19م ظل تواجدهم مقتصرا على منزلين أو ثلاثة كانت في الجهة الشمالية من البلدة القديمة تفتح على رحبة قهوة بوكحة يعتقد أن تأسيسها جاء خلال المرحلة الأولى من تأسيس البلدة في القرن 12هـ / 18م . وخلال القرن13هـ/ 19م في العهد الاستعماري شهدت المدينة توافد جماعات منهم قادمة من المغرب مرورا بوادي ميزاب  حيث شكلوا تجمعا لنحو خمسة عشر حوشا في الجهة الجنوبية للبلدة بمحاذاة المقبرة شرقا .و لم يرق هذا التجمع السكني إلى تسمية الحي لعدة إعتبارات منها حداثة عهده بالإضافة إلى قلة عدد ساكنيه .وقد أستطاع هؤلاء أن يندمجوا في إقتصاد السكان فتملكوا العديد من الغيطان عند مخرج الفج في الجهة الشرقية ، وتزايد نشاطهم الحرفي والتجاري خاصة في صناعة الذهب والفضة وأدوات النسيج التقليدية بالإضافة إلى تجارة الشحوم والتوابل والملابس.
استفاد اليهود من حق ممارسة شعائرهم الدينية وكان لهم معبدا خاصا في الجهة الشمالية من البلدة القديمة مازالت آثاره موجودة إلى اليوم ، كما كانوا يدفنون موتاهم في مقبرة خاصة بهم جعلوها بعيدا عن المدينة في الجهة الشمالية الغربيية عند الموقع المفترض لقرية الدبدابة التي أنشأها الجلابي أثناء محاصرته لقمار في مطلع القرن الثاني عشر هجري منتصف القرن الثامن عشر الميلادي ومازالت هذه المقبرة موجودة ومسورة إلى اليوم بالقرب من مطار قمار.
  • حي الباب الظهراوي: يشمل هذا الحي كل الأزقة الممتدة من رحبة قهوة بوكحة بالسوق وصولا إلى زقاق المحاوشة شمال البلدة القديمة ،و يمثل مدخل البويبة حده الغربي ، وكان هذا الحي الأكثر كثافة سكانية في المدينة ، ومن أهم معالمه مسجدي دغمان والزريـاطة ، كما أقامت به سلطات الاحتلال الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى مخازن كبيرة للمحاصيل الصناعية (التبغ) صارت تعرف عند العامة ببرج الدخان .
  • حي الباب الغربي: يقع إلى الغرب من البلدة القديمة ، يبدأ حده من زقاق جامع الحطابي شرقا و المتصل بمدخل البـويبة وصولا إلى حي أولاد أحميد غربا ، ويحده من الجنوب الزقاق المؤدي إلى المقبرة المعروف بزقاق جامع المعهد.
 يشكل هذا الحي اليوم محور المدينة وهمزة وصلها بالمناطق الأخرى فبمحاذاته أنجز الطريق الرابط بين عاصمة الولاية وبسكرة كما أنشأ به المحتل الفرنسي مقرا للقـايد أو الحاكم المحلي عن الإدارة الاستعمارية.
  • حي الباب القبلي: يقع كله غربي المقبرة، ويفصله عن حي الباب الغربي زقاق المعهد. يعتبر هذا الحي حديثا نسبيا فقد نشأ مع مطلع القرن14هـ/ 20م ، كان قد ظهر كنتيجة للتوسع العمراني للسكان المحللين باتجاه الحي الأوربي في الجهة الجنوبية الغربية للمدينة والمتكون من المدرسة الرسمية والعيادة الصحية ومركز البريد ومحطة القطار.
 
2-     الشوارع والأزقة: كان تطور تخطيط المدينة لا يختلف عن تخطيط المدن الإسلامية بشكل منظم تمثل بإقامة الدور بشكل متلاصق ومتتابع تفتح على أزقة متفرعة عن الشارع الرئيسي، تتميز الأزقة بالضيق ويتراوح عرضها مابين 2 إلى2.5 متر وغالبا ما تكون حادة (ذات نهاية مغلقة) أي متصلة من طرف واحد بالشارع الرئيسي.ويلاحظ أن الأزقة الشمالية أكثر طولا ، وأطولها على الإطلاق زقاق المحاوشة الواقع على حد البلدة الشمالي والذي يمتد من الطرف الشرقي إلى الطرف الغربي للبلدة. تتكاثر الأزقة بشكل منتظم كأغصان شجرة الأرز التي تكون متناسقة. وتتميز عموما باستقامتها تماشيا مع الشكل الأول للبلدة القديمة وكانت كل زيادة في المدينة متلازمة بإقامة مسجد ورحبة على شاكلة المدن الإسلامية فقد ورد في الأحكام السلطانية “أن الصحابة y مصروا البصرة على عهد عمر بن الخطاب t وجعلوها خططا لقبائل أهلها… وجعلوا وسط كل خطة رحبة فسيحة… وتلاصقوا في المنازل ولم يفعلوا ذلك إلا عن رأي اتفقوا عليه ونص لا يجوز خلافه”
لم تعرف البلدة طيلة مدة تطورها إلا شارعين رئيسيين شكلا محورا توسعها أحدهما باتجاه الغرب وثانيهما باتجاه الشمال بحيث مثلت البليدة النواة الأولى وهي نقطة الانطلاق باتجاه البابين الغربي والشمالي.
يتميز الشارعان الرئيسيان بالأتساع نسبيا يقدر عرضهما مابين 3.5 و4 م وهذا ما يمليه المشرع حيث قال الرسول r ” إذا تدارأ القوم في طريق فليجعل سبعة أذرع ” كما يتميزان بالتعرج و الانكسار على خلاف الأزقة المتفرعة عنهما،وكان يؤسس في كل انكسار مسجد أو رحبة  ، ويظهر التعرج أكثر في الشارع المتجه ناحية الغرب، نظرا لكونه أطول من الثاني ويرجع السبب في ظاهرة عدم استقامة الشارعين الرئيسيين لعاملين أساسيين هما:
أ- العامل المناخي: لتفادي أشعة الشمس الحارقة خاصة في الصيف ،ولتكسير التيارات الهوائية خاصة الرياح الغربية الشمالية التي تكون باردة وجافة وتحمل معها كميات من الأتربة والرمال.
ب- العامل السيكولوجي: فمن طبيعة سكان المنطقة الرغبة في عدم الظهور لذا يفضلون الجلوس في أماكن غير ظاهرة للعيان وهذا ما توفره الشوارع المتعرجة .
بالرغم من قسوة مناخ المنطقة خاصة في فصل الصيف فإن شوارع البلدة لم تكن مسقوفة وهذه ميزة كل مدن وقرى وادي سوف على خلاف معظم مدن وقصبات الجنوب الجزائري التي جعل الكثير منها في شكل قصور، إلا أن الزقاق الواقع شرقي البلدة القديمة شكل استثناءا والذي كان قد أنشئ عند أول توسعة للبلدة و يفصلها عن أملاك الزاوية التيجانية فقدسقف بشكل متناوب بأقبية أو أدماس كبيرة، يتراوح امتداد كل واحد منها مابين7 و 10 أمتار ويقدرعرضهابـ3 أمتار تقريبا ويعرف هذا الزقاق بزقاق البراطيل.
كانت البراطيل تؤدي دورا هاما في مواجهة قسوة المناخ بالدرجة الأولى ، بالإضافة إلى الدور المعماري لدعم المباني والدور المحاذية للشارع ، ويمكن تفسير الخصوصية التي تميز هذا الشارع بإعتباره كان يمثل المركز السياسي في البلدة ، حيث يشير الرواة أن جد عائلة أولاد سعد  كانت له دار بالزقاق المذكور يزاول بها مهمة قاضي العدول” باشا عدل” (نوع من الحكم العرفي المحلي) للفصل في المنازعات وكان ذلك بتكليف من شيخ الزاوية التيجانية التي صارت لها الكلمة الأولى في تسيير شؤون البلدة قبل دخول المستعمر للمنطقة بوقت قصير.
ويمكن أن نعتبر هذه التغطية حديثة نسبيا ،قد تكون أنشأت خلال عملية التوسعة التي عرفتها الزاوية التيجانية أواخر القرن 13هـ/19م ، ويمكن أن نتبين ذلك من خلال:
–       مستوى ارتفاع بناء جدران الزقاق الذي يبدو أعلى نسبيا من المباني القديمة المجاورة.
–       نمط التسقيف بالقبو لم يكن شائعا في المنطقة حتى مطلع القرن العشرين وأول استعماله كان في عمارة الزاوية التيجانية.
-طبيعة ومستوى معيشة سكان المنطقة لم يكونا ليسمحا بأكثر مما هو ضروري لبناء حوش بسيط فليس لديهم فائض مادي قد يسهموا به في عمارة البلدة بخلاف الزاوية التي توفرت على الموارد المالية .
3-السـاباطات:
السـاباط وجمعها سوابيط أوساباطات (أي السقيفة بين حائطين) وهو بمثابة الرواق الحاد والذي تكتنفه عقود في جهة واحدة ونظرا لقلة الأزقة المغطاة والمباني المسقوفة فقد استعاض سكان البلدة عن ذلك ببناء ، ،أنشئ في بعض الرحبات أو عند نواصي الشارع الرئيسي لغرض الاتقاء من الظروف المناخية السيئة أو الجلوس لتبادل أطراف الحديث بين سكان الحي في آخر النهار أو للهو بلعبة الخربقة المحلية  في انتظار أوقات الصلاة لذا هي عادة ما تكون قريبة من المساجد ومن أشهرها سـاباط الفج .
4-     الرحبـــات:
الرحبة جمعها رحبات وهي من رحب الشيء أي اتسع، والرحبة ما أتسع من الأرض ويقال رحبة المسجد أو الدار أي ساحتهما و متسعهما. وقد اختلفت المدن الإسلامية عن غيرها من الحضارات السابقة بتوفرها على مساحات صغيرة تحوطها المنازل تعرف بالرحبة تختلف عن الميادين التي عادة ما تكون في مفترق الطرق والشوارع الكبيرة ،وعادة ما تحمل الرحبة إسم حرفة أو تجارة معينة، وقد اشتهرت في الجزائر مدينة قسنطينة بكثرة رحباتها نظرا لطبيعتها التضاريسية الجبلية مثل رحبة الزرع ورحبة الصوف ورحبة الجمال المعروفة إلى اليوم.
لم تشذ مدينة قمار عن هذه القاعدة ، فلا يكاد يخلو حي من أحياءها من رحبة أو أكثر فهي تشكل فضاء إعلاميا و اقتصاديا ورياضيا بالنسبة للسكان ففيها يمارس الأولاد ألعابهم الجماعية ،ويستغلها الكبار في أنشطة اقتصادية مختلفة وغالبا ما يكون على جوانبها سـاباط أو ساباطان للجلوس ، كما كان يتوسط الرحبة بئر للماء يستغله سكان الحي في حاجياتهم المنزلية ، كما يستعمله المصلون للوضوء.
ومن أشهر الرحبات المعروفة التي يمكن ذكرها :
– رحبة السوق الواقعة عند مدخل البلدة القديمة وهي أول رحبة أنشأت خارج محيط البلدة القديمة والتي كانت في الأصل فضاء خارجي للبلدة مع مرور الوقت أحيطت بالمحلات والحوانيت لتصير مركز السوق .
– رحبة قهوة بوكحة جاءت في الجهة الشمالية من البلدة القديمة عند بداية الزقاق المؤدي إلى الباب الظهراوي.
– رحبة سوق التمر جعلت عند المدخل الجنوبي للسوق لم تكن لها رحبة بل كانت فضاء مفتوحا أحيطت في العهد الاستعمار بمخازن ومحلات تجارية مختلفة و قاعات حلاقة والعلاج الشعبي.
5- الأبواب والمداخل
إن تأسيس الأبواب للمدينة أو القرية أمر تستدعيه الضرورات الأمنية و التنظيمية كما أنه دلالة على سيادة حياة الحضر بين الساكنة ، وتختلف أهمية الأبواب من مدينة لأخرى حسب مكانة المدينة السياسية ودورها الاجتماعي ،وعادة ما تكون الأبواب متسعة تفتح على الشوارع الرئيسة عكس المداخل التي نكون ضيقة وثانوية الدور وتفتح على الأزقة الضيقة أو الأحياء المعزولة ، ومدينة قمار أو البليدة قديما جعلت على شكل تجمع سكني مغلق لا يمكن الولوج إليه إلا من باب واحد جعل في الجهة الغربية منها ، ومع التوسع العمراني للبلدة الصغيرة زاد عدد أبوابها لكنها لم تكن بمفهوم أبواب المدن الكبرى التي قد تغلق في ظروف معينة أو تعلوها أبراج للمراقبة و تحصينات ، وإنما كانت بمثابة ممرات لا باب لها يمكن لأي كان المرور عبرها في أي وقت  كما أنشئت لها مداخل ثانوية عدة.
وبعد تطور المدينة وتوسعها صار لها اليوم بابان رئيسيان وثلاثة مداخل ثانوية وهي:
الأبواب الرئيسية:
أ‌-      الباب الغربي:
هو أول باب أنشئ للبلدة القديمة، كان المنفذ الوحيد إليها، ومع توسع حركة عمران المدينة نقل الباب باتجاه الغرب ويبدو أن ذلك تم على ثلاث مراحل رئيسية :
المرحلة الأولى منذ 1220هـ/1805م عند إنشاء جامع الفشير ومن بعده مسجد سي سعيد 1308هـ/1891م المقابل لرحبة السوق .
المرحلة الثانية في نهاية القرن13هـ/ 19م مسجد سيدي عبد الرحمان الحطابي والزقاق المحاذي له غربا ، وهو الموضع الذي وجدت عليه عند دخول المستعمر واحتلاله للبلدة  .
المرحلة الثالثة بداية من القرن 14هـ/20م حيث صار الباب عند حد زقاق أولاد أحميد الغربي قرب مسجد بيت الشريعة ، وهو موضعه الحالي المحاذي للطريق الوطني رقم 48 الرابط بين ولاية الوادي وولاية بسكرة .
ب‌-  الباب الظهراوي: أنشئ عند أول توسعة للبلدة باتجاه الشمال إثر نقل الباب الغربي وصار يشكل مدخل السوق من الجهة الشمالية قرب موضع الزاوية الشابية أو ما يعرف بمسجد العمامرة ، ثم نقل بالقرب من مسجد دغمان، حتى وصل عند طرف زقاق عرش أولاد أحميد أي الحد الشمالي للمدينة.
المداخل الثانوية:
فرض إنشاؤها ظروف البلدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إضافة إلى التوسع العمراني والتزايد السكاني وعدد هذه المداخل ثلاثة وهي:
  • الباب الشرقي: سمي مجازا بابا فهو لم يكن له الدور الذي تؤديه الأبواب الرئيسية ولا يفتح على شارع رئيسي وإنما هو عبارة عن مدخل ضيق يعرف محليا بالفج الذي يفتح على غيطان النخيل المنتشرة شرق وجنوب شرق البلدة ، وقد وجد عند نقطة التقاء الزقاقين المحاذيين للبليدة القديمة ، أحدهما زقاق البراطيل المحاذي للبليدة من الشرق والذي بدوره يتفرع منه مخرج ضيق يؤدي إلى مسجد سيدي إبراهيم كما يؤدي إلى مجمع الزاوية التجانية. والزقاق الثاني هو المحاذي للبليدة من الجهة الجنوبية
  • الباب القبلي(الجنوبي): لم يكن بابا معروفا في أول مراحل تأسيس المدينة، وإنما كان عبارة عن جهة قدوم تتميز بخلوها من العمران و كان موضعه عند الركن الغربي الجنوبي للبلدة القديمة بالقرب من رحبة سوق التمر حاليا ثم تحول إلى الحد الجنوبي الشرقي للمقبرة الذي يفتح على الحي الأوروبي الحديث النشأة (المدرسة،المستوصف،مركز البريد ومحطة القطار) و منه باتجاه بلدة تاغزوت.
  • البـويبة: تصغير كلمة باب تقع إلى الغرب من الباب الظهراوي ، وسميت كذلك لكونها المدخل الثاني بعد الباب الظهراوي في الجهة الشمالية من المدينة وهي المدخل الوحيد للبلدة المغطى بقباب يكتنفه على جوانبه رواقان مخصصان للجلوس ليشبه بذلك مداخل المدن الكبرى.
صارت البـويبة تؤدي دورا حيويا في استقبال الوافدين على المدينة من الجهة الشمالية فاق بذلك دور الباب الظهراوي الذي يبعد عنها إلى الشرق بنحو 400 م تقريبا ، ومثلت نقطة التقاء إستراتيجية بين الحيين الغربي والشمالي للمدينة .
نلاحظ من خلال دراسة أقسام المدينة ومرافقها الأساسية أنها لا تختلف في مكوناتها عن باقي المدن الإسلامية الأخرى فقد اشتملت على شوارع وأزقة ورحبات كما كان تخطيطها منسجما مع طبيعة المنطقة الجغرافية ومعتقدات سكانها وعاداتهم خاصة توزيع الأحياء والأبواب ،إلا أنه يلاحظ أن موضع المقبرة الذي كان في أول الأمر خارج البلدة صار لاحقا يحتل مركزها وشكل عاملا معرقلا لتوسعها ولم تتخذ إجراءات لنقلها إلى منطقة أخرى .
ومن ناحية أخرى افتقرت البلدة إلى خطط دفاعية واضحة من تحصينات أو بوابات ضخمة كما هو الحال للمدن الكبرى رغم أنها وجدت في موقع المواجهة مع الأعداء من الجهات الشمالية والغربية.
تقنيات البناء
استعملت كل العناصر المعمارية المعروفة في البناءات ذات الصلة بالعمارة الإسلامية رغم انه غلب عليها طابع البساطة فقد عرفت بمرور الوقت تطورا في التقنيات والوسائل ،ومن أبرزها :
1. وسائل التسقيف:
ا- القبـة: ابتكر سكان المنطقة تقنية التسقيف بالقباب وطوروها حتى شاع استعمالها في كل العمائر فلم تقتصر على المنشآت الدينية فقط بل صارت العنصر الأبرز في العمارة السوفية حتى أطلقت عليها IsabelleEberhardtسنة 1900م مدينة الألف قبة لقد شاع استعمال القباب في سوف لعدة أسباب نذكر منها:
الضرورة المناخية : إن الشكل المحدودب الدائري يعتبر مقاوم للرياح فلا تؤثر فيه ولا تتكدس الرمال فوقه كما لا يسمح بتجمع مياه الأمطار كما أن الهواء الساخن داخل الغرفة يرتفع إلى أعلى و قد تترك له فتحات صغيرة تسمح بخروجه (ظهر ذلك في عصور متأخرة ) .
الضرورة التقنية : تميزت القباب الأولى في المنطقة تميزت بسهولة تشكيلها فهي لا تتطلب وسائل كثيرة أو تقنية معقدة وكل ما يلزم هو إقامة الجدران الأربعة الحاملة لها ثم تنجز في شكل محدودب قليلا، دون أن يكون لها شكلها نصف الدائري كما هو الحال في العمائر الحديثة اليوم.
الضرورة المادية : تعتبر مادة الجبس المصنعة محليا عاملا مساعدا في انتشار التسقيف بالقباب نظرا لسرعة تصلبها وتماسكها هذا ما لم يتوفر حتى في مواد البناء الحديثة وما يتطلب الأمر إلا خفة ومهارة من طرف البنائين.
وقد عرفت أشكالها في سوف تغييرا بارزا من القبـة المفلطحة فالمحدودبة ثم النصف كروية وقد سـاهم المستعمر الفرنسي في تطـور تقـنية أنجاز القبـاب بالمنطقة حيث استعملها في منشآته المـدنية والعسكرية .
ب- الدمـس:الدمس كلمة عربية من دمس الظلام أي اشتد و تعني الغطاء أو ما يستتر به  ، يعرف أحيانا بالقبو وهو عبارة عن سقف نصف اسطواني مجوف يشكل باستخدام العقود بصفة متكررة ، ظهر استعمال الدمس أو القبو في المنطقة منذ القرن التاسع عشر بشكل خاص في عمارة الزاوية ثم شاع استعماله في العمائر المدنية في منتصف القرن العشرين ، خاصة منذ إدخال عنصر الحديد المعروف محليا بالفيراطي وهي تحريف للكلمة الفرنسية ـfer à T والمستعمل أصلا في تركيب السكك الحديدية بدلا من الخشب وقد استعمل كدعامات أفقية توضع متعامدة على الجدران الحاملة ، فصارت الغرفة الواحدة تسقف بعدة أدماس صغيرة متوازية تسند إحداها الأخرى تعرف أحيانا بالسقف المعقود.
يتميز الدمس بنفس خصائص القباب من حيث قوة المقاومة و في مواجهة العوامل المناخية كالتقليل من تركيز أشعة الشمس والأمطار إلا أنها تغطي مساحة أكبر.
ج- السـدٌة : السـدٌة بتشديد و ضم السين وتشديد الدال و تصنع من جريد النخيل الذي يقطع في مرحلة معينة من السنة لتخفيف الثقل عن النخلة وبعد أن تنزع منه السعف والأشواك والكرناف تشد إلى بعضها بواسطة حبال مضفورة من الليف وبعد أن تقص بشكل مستقيم تترك في الماء حتى تأخذ شكلها المستوي ثم تجفف تحت الشمس لتصبح صالحة للاستعمال ، كثيرا ما تستعمل للتسقيف حيث تمدد على عرض الغرفة فوق حواف الجدران الحاملة أو على دعامات أفقية من جذوع النخيل ثم يوضع فوقها الحلفاء لسد المنافذ ثم تفرش طبقة من الحصى ويصب فوقها الجبس في حالة شبه سائلة ليتصلب بسرعة في شكل طبقة علوية ، يستعمل هذا النوع من التسقيف لسهولته وقوته كما أنه أكثر تكييفا لهواء الغرفة أو الرواق.
2. وسائل الدعم:
ا- العقود: على غرار المدن الإسلامية الأخرى لا يكاد تخلو أي منشأة عمرانية في سوف من العقود خاصة في السـاباطات والمساجد ، وتقوم تقنية إنجازها في أول الأمر بالاستعانة في تشكيلها بجريد النخيل الأخضر المنزوع السعف والذي يكون مرنا، فيقوس ويثبت طرفاه على الجدارين الحاملين أو الدعامات ليكون بمثابة القالب ويوضع فوقه الجبس ثم تصفف حجارة اللوس فوق بعضها وبنسق منظم وسرعان ما يتصلب ، وبعد أن ينزع الجريد تبقى آثاره واضحة في البناء ليتشكل العقد البسيط في شكله ومظهره ، ثم تطورت التقنية فأخذ ت العقود شكل قوس كامل أو منكسر.
ب-الدعامات والأعمدة: تعتبر الدعامات و الأعمدة من أهم العناصر المعمارية الإنشائية بالمباني والمساجد وقد كانت في البدايات الأولى لبناء المساجد من جذوع النخل لتحمل السقف المصنوع من جريدة النخل.ولما انتقلت صناعة البناء إلى الأحجار عملت الدعامات الحجرية والأعمدة .
تستعمل الأعمدة والدعامات في المباني الكبيرة ذات الأسقف والجدران العالية ،وباستثناء المنشآت الدينية فإن العمارة المدنية خاصة الحوش كانت تفتقر إلى وسائل دعم واضحة نظرا لبساطة البناء ، حيث ينجز الحائط إبتداءا من وجه الأرض مباشرة وقد يحفر له بقدر( 20 أو30 سم) ، وقد يستعان أحيانا إذا كان الحائط طويل عرضيا بإقامة دعامة تكون في شكل تقاطعي مع الحائط على هيئة حرف T . كما استعملت أجزاء من جذوع النخيل أفقيا لدعم جدارين داخل الغرف الواحدة أو كأكتاف فوق المداخل والأبواب، كما استعملت في أواخر الفترة الاستعمارية الفيراطي(fer à T) كوسائل دعم معدنية .
أما المنشآت الدينية خاصة المساجد فقد استعملت فيها الأعمدة إسطوانية الشكل والمصنوعة بالجبس والحجارة المحلية بمختلف الأحجام حسب وظيفتها وأضخمها التي في جامع سيدي المسعود (الجامع العتيق بالوادي).والظاهرة اللافتة أن كل الأعمدة لا تشتمل على قاعدة أو تاج.
3- وسـائل التهوية والإنـارة:
أ‌- الأبواب : تؤدي الأبواب عادة في العمائر والمنشآت الوظيفة الأمنية كما قد تمثل غرضا تزيينا جمالياوفي سوف نظرا لضنك المعيشة وضعف الحالة المادية لأغلب العائلات فقد كانت الغرف المشرفة على وسط الحوش تحجب بستار منسوج من الصوف في حين ظل استعمال الأبواب مقصورا على المدخل الرئيسي للحوش، حيث استعملت أبواب صنعت محليا منحوتة من جذوع النخل والتي تربط بألواح خشبية وتكون عادة قليلة الارتفاع حوالي 1.5م ، تثبت في الجدار بواسطة قاعدة خشبية قد تكون أيضا من جذع نخلة ، يركب لها مزلاج خشبي يساعد على غلق الباب من الداخل . وبتزايد النشاط التجاري مع الأقاليم المجاورة وتحسن الوضع المعيشي لأهالي المنطقة، ظهر استعمال أبواب كبيرة نسبيا يتوسطها باب صغير، كانت تجلب من بلاد الجريد في الجنوب التونسي وقد تكون مكسوة بقشرة معدنية من النحاس أو القصدير ومرصعة بدبابيس في شكل زخرفي معين وتتوسطها مطرقة معدنية أو اثنتان متناظرتان و جعلت لها أقفال معدنية تعرف محليا بالقفل السفاقصي. ويلاحظ على هذه الأبواب التأثير اليهودي فكثيرا ما كانت تزين بالنجمة السداسية و ذلك إشارة إلى صانعيها من يهود تونس.
ت‌-     النـوافذ : تستعمل النوافذ في العمائر لغرض الإضاءة والتهوية وقد تزود بشبابيك معدنية للضرورات الأمنية والجمالية ، لذا كان إستعمالها محدودا وظل لفترة طويلة مقتصرا على العمائر الدينية نظرا لقلة الحاجة إليها ، فوسط الحوش يوفر الضوء والهواء الكافيين على خلاف بعض القصور الصحراوية التي عادة ما تكون مسقوفة كلية، كما أن الدين والعادات تحرم فتح النوافذ على الشارع وخوفا من الرياح التي تكون محملة بالغبار، لذلك فإن ما وجد منها غالبا ما يكون غرضه جمالي أكثر منه معماري على شكل مثلث أو كوة دائرية صغيرة لا تسمح حتى بدخول حيوان بحجم القط ، وفي فترة متأخرة شاع استعمال نوافذ صغيرة لا تتعدى أطوالها( 0.50م × 0.20م ) قابلة للغلق.
هذي المقالة بقلم حسونة عبد العزيز

اترك رد